ابن العربي
239
أحكام القرآن
المسألة الخامسة - لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً : ثبت عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « 1 » : ليس المسكين الذي تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ، إنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن له فيتصدّق عليه ، ولا يقوم فيسأل الناس . المسألة السادسة - الواجب على معطى الصدقة كان إماما أو مالكا أن يراعى أحوال الناس ، فمن علم فيه صبرا على الخصاصة وتحلّيا بالقناعة آثر عليه من لا يستطيع الصبر ، فربما وقع في التسخّط ، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الصحيح : إني لأعطى الرجل وغيره أحبّ إلىّ منه مخافة أن يكبّه اللّه في النار على وجهه . المسألة السابعة - قوله تعالى : إِلْحافاً . معناه الشمول بالمسألة إمّا للناس وإمّا في الأموال ؛ فيسأل من الناس جماعة ، ويسأل من المال أكثر مما يحتاج إليه وبناء ( ل ح ف ) للشمول ، ومنه اللحاف ؛ وهو الثوب الذي يشتمل به ، ونحوه الإلحاح ؛ يقال : ألحف في المسألة إذا شمل رجالا أو مالا ، وألحّ فيها إذا كرّرها . وروى المفسّرون عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إن اللّه يحبّ الحليم الحيىّ الغنىّ النفس المتعفّف ، ويبغض الغنىّ الفاحش البذىّ السائل الملحف . ولم يصح لهذا الحديث أصل ، ولا عرف له سند ، لكن روى مسلم عن معاوية قال « 2 » : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لا تلحفوا في المسألة فو اللّه لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته منى شيئا وأنا كاره فيبارك اللّه له فيما أعطيته . وروى مالك عن الأسدي أنه قال : نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد « 3 » ، فقال لي أهلي : اذهب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسله لنا شيئا نأكله ، وجعلوا يذكرون من حاجتهم . فذهبت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فوجدت عنده رجلا يسأله ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : لا أجد ما أعطيك . فولّى الرجل عنه وهو مغضب ، وهو يقول : لعمرك إنّك لتعطى من شئت .
--> ( 1 ) صحيح مسلم : 719 ( 2 ) صحيح مسلم : 718 ( 3 ) بقيع الغرقد : مقبرة النبي ؛ لأن منبتها كان الغرقد ، وهو شجر عظام أو شجر العوسج ( القاموس - غرقد ) .